ابن الجوزي
89
صفة الصفوة
عن حماد بن أبي حنيفة قال : قالت مولاة لداود الطائي : يا داود لو طبخت لك دسما . قال : فافعلي . فطبخت له شحما ثم جاءته به . فقال لها : ما فعل أيتام بني فلان ؟ قالت : على حالهم . قال : اذهبي به إليهم . فقالت له : فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء ؟ قال : إني إذا أكلته كان في الحشّ وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند اللّه مذخورا . صدقة الزاهد قال : خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة ، فقعد داود ناحية وهي تدفن فجاء الناس فقعدوا قريبا منه فتكلم فقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل ما هو آت قريب ، واعلم يا أخي أن كل ما يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم ، واعلم أن أهل القبور إنما يفرحون بما يقدّمون ويندمون على ما يخلفون ، وأهل الدنيا يقتتلون ويتنافسون فيما عليه أهل القبور يندمون . أبو حفص قال : سمعت ابن أبي عديّ يقول : صام داود ( الطائي ) أربعين سنة ما علم به أهله ، وكان خزّازا ، وكان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون أنه صائم . قال الشيخ : وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق أبي حفص الفلاس ( أيضا ) . عن ابن أبي عديّ ( أن ) هذا جرى لداود بن أبي هند ، وسنذكرها في أخبار البصريين ، وهي بذاك أليق من داود الطائي . وكان متشاغلا بالعلم ثم انقطع إلى التعبد ، ولم ينقل عنه أنه تشاغل بالمعاش ، لعل بعض الرواة قال الطائي . واللّه أعلم . محمد بن بشر العبدي قال : قال داود يوما لمولاة له في الدار : أشتهي لبنا فخذي رغيفا ، فائتي به البقال فاشتري به لبنا ولا تعلمي البقال لمن هو ؟ فذهبت ، فجاءت به فأكل وفطن البقال بعد أنها تريد اللبن لداود ، فطيّبه له . فقال لها : علم البقّال لمن تريدين اللبن ؟ فقالت : نعم . قال : ارفعيه . فما عاد فيه . ( قال ) : وجاءه فضيل يوما فلم يفتح له ، فجلس فضيل خارج الباب وهو داخل فبكى داود من داخل وفضيل من خارج ، ولم يفتح له . قلت لمحمد بن بشر : كيف